لماذا يُوصف بيتهوفن بالشخص الغاضب ؟


يبدو أن حياة بيتهوفن قد هيمن عليها سؤال لماذا؟
لماذا يعاملني أبي بهذه الطريقة؟
لماذا يجب علي أن أتولى مسؤولية الأسرة؟
لماذا الآن وأنا على أعتاب حريتي، على عتبة حياة جديدة، تُؤخد مني أعظم هديةٍ؟
لماذا لا أستطيع أن أتزوج؟
لماذا يموت أخي؟ لماذا يحاول ابن أخي أن يطلق النار على نفسه؟

ربما قد سمعت قصة الكلمات الأخيرة لبيتهوفن: “تصفيق، أيها الأصدقاء، المسرحية انتهت.”

 

لماذا يُوصف بيتهوفن بالشخص الغاضب ؟

في الواقع من الطبيعي أن يوصف المؤلف الذي تكون حياته وأعماله معقدة بشكل لا يصدق بالغاضب, وعلى عكس العديد من الفنانين الآخرين، فإن أعماله لا تعكس حالته الذهنية الحالية. ومن الأمثلة على ذلك سوناتا البيانو ‘Appassionata’ المضطربة, ألفها خلال فترة محظوظة من حياته.
بشكل عام, صوت موسيقاه, المستويات الشديدة من الديناميكيات (صاخبة جداً ثم هادئة جداً)، وتكرار الأفكار والعبارات، وأعماله الملحمية, تشجع هذا الافتراض… افتراض أن بيتهوفن كان شخصاً غاضباً.

 

على كل الأحوال, لبيتهوفن أسباب وجيهة جداً ليكون شخصاً غاضباً:

1- طفولةٌ صعبةٌ

طفولة بيتهوفن كانت مؤلمة وصعبة مع والدٍ عنيف علَّمه الموسيقى بالعنف, حيث كان يوقظه في الليل ليتمرن, بالإضافة لتعنيفه بالكلمات والضرب أحياناً وتكرار اسم واحد مراراً وتكراراً: “موزارت” فقد كان يريد أن يكون ابنه أفضل من موزارت الذي بدأ ظهوره الفني في السادسة.

2- تحملٌ لمسؤولية عائلته في وقت مبكر

كان والد بيتهوفن مغنياً متواضعاً, لكن بسبب إدمانه على الكحول, وضعف صوته فيما بعد, لم يعد قادراً على إعالة الأسرة, وتدهورت الحالة المادية للعائلة. مما جعل بيتهوفن يعمل كعازف أورغن في المحكمة مقابل مبلغ سنوي بسيط ليُعيل عائلته وذلك في عمر الرابعة عشر, ثم توفيت أمه في سن السابعة عشر.

3- الصمم

عندما كان بيتهوفن في السادسة والعشرين من عمره, في الوقت الذي كان فيه يُعدُّ الأعمال العظيمة, كان قد بدأ يعاني من فقدان السمع، مصدر رزقه الوحيد. وعندما تفاقم الوضع لم يكن يريد أن يدرك الناس كم أصبح أصماً مما دفعه إلى العزلة عن الناس.

4- الفشل في الحب

قصصُ حبّ فاشلةٌ متوالية, منها في عام 1801 أحب بيتهوفن الكونتيسة جوشياردي, كما أحب الممرضة وطالبة البيانو لديه (تيريزا) وأراد أن يتزوجها في مطلع عام 1810 ويقال أنه قام بإهداءها مقطوعة البيانو الشهيرة “Für Elise” ,لكنه لم يتزوج أبداً ولم ينجب أطفالاً.

5- سوء الفهم من قبل الآخرين

تجنب بيتهوفن الجلسات الاجتماعية مع الناس إذْ كان من الصعب عليه إخبارهم بأنه أصم فوصفوه بالحاقد الذي يبغض البشر. على أي حال هناك الكثير من الأدلة أيضاً على أن بيتهوفن كان يتعامل مع الناس بطريقة جيدة وأن خطاباته تحتوي على الكثير من المشاعر الودية والطيبة بالإضافة لتشجيعه العازفين الأخرين.

 

بيتهوفن كان له عدة وصيات -يبدو أنه كان يترقب النهاية!؟- في إحدى وصياته يعطي تفسيراً لغضبه وهي أقرب إلى الاعتذار.
ففي عام 1802, بناءً على نصيحة أحد الأطباء ذهب بيتهوفن للإقامة بسكنٍ منفصلٍ في مدينة “Heiligenstadt ” في فيينا. هناك كتب بيتهوفن المكتئب والغير قادر على إخفاء معاناته المتزايدة وصيةً بعنوان “وصية Heiligenstadt ” لأخويه, تحدث فيها عن صممه وأعرب عن اشمئزازه.

 

جزء من الوصية:

” أيها الرجال الذين تعتقدون أو تقولون عنّي أنني شخصٌ حاقدٌ أو عنيدٌ أو أبغض البشر. كم تسيئون إليّ! أنتم لا تعرفون الأسباب الحقيقية لما أبدو عليه، منذ طفولتي تم تجريدي من المشاعر الطيبة وحسن النية من قلبي وعقلي، كنت حريصًا فقط على إنجاز الأعمال الموسيقية العظيمة، ولكن هذا الأثر ينعكس الآن, منذ ست سنوات وأنا في حالة ميؤوس منها تفاقمت على يد أطباء لا قيمة لهم خدعوني عاماً بعد عامٍ على أمل التحسن, وأخيراً اضطررت لمواجهة احتمال حدوث إعاقة دائمة (ربما قد يستغرق شفاءها سنوات أو ربما يكون مستحيلاً).

وُلدت بمزاج متوهج وحيوي قادرٍ على التأقلم مع جميع حالات المجتمع، لكنني اضطررت في وقت مبكرٍ لعزل نفسي والعيش وحيداً. حاولت في بعض الأحيان أن أنسى كل هذا, كم هي تجربة قاسية عندما يتكلم الرجال عني بالسوء وأنا غير قادر أن أقول لهم تكلموا بصوت أعلى، اصرخوا ، ألا تلاحظون أني أصم.آه، كيف يمكن أن أعترف بهذا العجز في الوقت الذي ينبغي أن أشعر فيه بالكمال في نفسي أكثر من الآخرين، هذا الإحساس الذي عرفته ذات مرة في أعلى درجة من الكمال مثل قليلٍ من زملائي بالمهنة.

لا أستطيع أن أفعل ذلك لذا سامحوني عندما تروني أنسحب من اللقاءات الاجتماعية، مصيبتي مؤلمة بشكل مضاعف ويمكن أن تؤدي إلى سوء فهمي، بالنسبة لي لا يمكن أن أشعر بالراحة في هذه اللقاءات المتكررة مع زملائي, في تبادل الأفكار على الرغم من أنني أعارض رغبتي في ميولي للمجتمع, ولكن يا له من شيئ مخزٍ عندما يقف أحد إلى جانبي ويسمع الموسيقى أو الغناء وأنا لا أقدر على سماع أي شيء من نفس المسافة.

هذه الحوادث دفعتني إلى حافة اليأس بل أكثر من ذلك كنت قد وضعت حداً لحياتي, فقط الفن هو ما جعلني أُعيد النظر, بدا لي أنه من المستحيل ترك هذا العالم حتى أقدم كلّ ما بجعبتي، وهكذا تحملت هذا الوجود البائس بشخصية حساسة, يمكن لأي تغيير مفاجئ أن ينقلها من أفضل حال إلى أسوأ حال. آمل أن يظل إصراري ثابتًا على تحمل هذا الوجود البائس حتي يأتيني الموت، ربما سأكون أفضل، ربما لا أكون مستعدًا …
وداعاً ولا تنسوني تماماً عندما أكون ميتاً، فأنا أستحق هذا منكم. في كثيرٍ من الأحيان فكرت في كيفية جعلكم سعيدين، كونوا كذلك…”

 

كتب بيتهوفن فيما بعد وصيتين إضافيتين: في عام 1824، وقبل وفاته بفترة وجيزة في عام 1827.
قد يبدو أن بيتهوفن لم يحب الناس كثيراً، لكن لا يمكن القول أنه لا يحب البشرية, فالعديد من الناس الذين قدموا مساهمات كبيرة للحضارة الإنسانية، لديهم حياة صعبة للغاية.

في القائمة المرافقة بعض المقطوعات الموسيقية التي قد تشجع افتراض شخصية بيتهوفن الغاضبة

مصدر الوصية

 

 


Join us to receive updates and "Love" tracks .. Log in 

LEAVE A COMMENT: